تحية لبوقلي حسن جمال الدين
مفتش الفلسفة، الأستاذ المفكر...
رَجُلُ البيداغوجيا السَّلِسِ، من طينة الراحل محمود يعقوبي، رفع راية الارتقاء بتعليم الفلسفة في صورة صناعة الأَسْتَذَةِ. كان يحمل طموح الجعل من الصرامة المنهجية سلوكا حياتيا في يوميات الطالب. هو جزائري يبحث عن الهوية في الدرس الفلسفي والتراث. معروف بالجمع بين التجريب وعلم التاريخ وفلسفة العلوم والتصوف، من جهة اشتغاله على التراث الجزائري، وأما من جهة اهتمامه بالدرس الفلسفي فهو الأستاذ والمفتش المحترف البيداغوجي الرقيب والموجه والمقنع والمنقّح.
اشتغل على المسألة البيداغوجية توجيها منه، وإفادة للتلميذ بخبرته. إذ كان يحمل همّ زيادة الحظوظ في النجاح في امتحانات البكالوريا للتلاميذ بإكسابهم الشجاعة الفلسفية في مواجهة مشكلاتها. وكأنه يدعو إلى شعار الأنوار: "تجرأ على استعمال عقلك" ولسان حاله يقول: "لابد من وضع الثقة في النفس أكثر من وضعها في الدروس أو الأستاذ"، للتعبير عن القدرات الذهنية وصياغة الأساليب الفَهْمِيَّة حِجاجاً، برهنةً ودعوة للنظر إلى "التفكير" بما هو بناء جديد وتأمل شخصي يقتضي تفكيرا تركيبيا ونقديا.
لقد كان ديدنه تكوين "العقول الحرة" للتخلص من العقليات المجترّةِ المنتشرة في نواحي المجرّة، ومن أجل ما ينبغي الاعتراف له به أنه قابل للاختلاف الفكري، متفتح على تعدد الرؤى، إذ يترك هامشا واسعا لحرية القارئ، ويستقبل الاستقلال بالرأي بما هو كفاءة تُغْني عن النقل، ومجردِ الاجترارِ تحريراً من ضرورة التكرار. وهكذا يكون الهامش لديه أوسع من المتن. التكرار عنده حامل للكسل الفكري والنقدي، يغني عن السياحة في عوالم الكلمة وجرح المعنى.
وإذ يدعو إلى ذلك، فإنه يحثُّ على فلسفة السؤال مرتكزا على الوظيفة الإبيستيمولوجية لفن الأسئلة كما ينبغي للمعلم الأول أن يفعل. المعلم الأول يتقن توجيه الفعل الفلسفي الأول: السؤال. الفلسفة سؤال ومساءلة، إنه موطن الإبداع: "لابد...من قراءة السؤال الأول..." والسؤال الذي يقع عليه اختيارك..."، مقدِّماً استراتيجيات التموقع بين الأسئلة وتفاوتها في "الوضوح والفهم" و"طبيعة السؤال". يدعو المعلم الأول إلى التموضع بين الأسئلة كمحارب يتقن استعمال الجرأة والإقدام بالتحكم في السلاح والعتاد.
وأما من جهة اشتغاله على التراث الجزائري فهو من معلّمي الحكمة، الجزائريين، الذين ناقشوا المسألة الإنسانية في شقيها: الأنثروبولوجي والإبستيمولوجي. إنّه صاحب توجه آيِلٍ إلى التجريب وفقًا للإيقاع الخلدوني (ابن خلدون). إذ يشيد بالطريقة هذه في دراسته التي خصصها عن ابن يوسف السنوسي، بحيث يجعل منها مدخلا عميقا للعلم التجريبي، علم المعرفة الشعبية، ويقاربها بمدى وقائعية العلم في تجريبيته، لتصير موضوعا رئيسا يستأهل الاهتمام به على الصورة العلمية الدقيقة.
هذا ما يصرح به الأستاذ بوقلي؛ إنه يطبق منهج التجريب على دراسة التراث [المعطيات المعرفية في عالم الإنسان] بما هو موضوع إنساني جديرٌ بالملاحظة العلمية، تعود إلى ما هو "كائن في الواقع". وبهذا يكون أنثروبولوجيا ممتازا، أنثروبولوجياً من الطّراز الرفيع؛ إذ ينوع من مصادره كما يفعل المؤرخ المحترف المسكون بروح الفيلسوف في التزامه النقدي المتلبس بخصوصية التحقيق.
هاهنا نجده يرتقي بالدرس الفلسفي البيداغوجي من فهم للواقع، كما هو في منطق أرسطو مزاوجا بينه وبين المغزى الإمبيريقي بما يجعل من التجربة نزوعا علميا مستلهما من مدارس التجريب الغربي والعربي، إلى محاولة حقيقية لفهم أعمال رجل من التراث الجزائري التلمساني، متجها مباشرة نحو ما يثري هوية الإنسان الجزائري وثقافته، رافضا الاغتراب في أحضان الغرب والتوحد في عالمه.
هكذا يكون معنى الواقع، عند الأستاذ بوقلي، المستخلص من التأمل العقلي للواقع والتراث انطلاقا من بيداغوجيا الدرس الفلسفي، معاودَةً للنهوض بالهوية العلمية والثقافية الجزائرية. في صورة ترجيح كفة الميزان إلى تراثنا الزاخر الذي طالما لم نسبره بقينا له جاهلين. هذا التراث الذي يسكن الذاكرة الشعبية، الخيال الشعبي، ويسمح بسرد هوية متفردة تقول ذاتها في وقائع وتجليات متفاوتة. يجعل منها مصدرا للثراء الثقافي والفكري في الجزائر.
Published: 2026-03-28