العدد الحالي
مجلد 16 عدد 1 (2026): سلسلة الأنوار
التراث في منظومة الفلسفة وعلوم الروح
ماذا ينقص التراث في شهر التراث؟ التراث في الجزائر، في شهره الشّهير، دعوة إلى تأمل الذات عينها كآخر، قصد إعادة صياغة سردياتها التي لم تَحْكِ بعدُ ما تمت حكايته ولم تفكّ ما تمت حياكته بعد، لأجل مجاوزة التكرار والاجترار، وترميم مجمل ما يلحق بالتقاليد من أضرار.
إن حصر التراث في الطابع الأنثروبولوجي، الوصفي الذي يختزله في مجرد ممارسات ورقصات وحركات وشطحات غير مؤسَّسَة، مجرد ضرب لمواعيد في غير مناسباتها، كمن يسقي الشجرة من أوراقها متناسيا بأن للجذور حياة، هي حياة الروح.
حقيق بالتراث أن يتجلى بعدما يتأسس، وهو في تجلياته متعدد وثري وزاخر... فيه ما يرتبط بالفرد وبالمجتمع، وبالدين وباللباس، وبالفلكلور الشعبي، وبالثقافات المحلية...، ولكن هذه التجليات تعيش كلها التشظي والبعثرة التي تحتاج إلى ما يجمع شتاتها.
لابد من الارتقاء بالتراث، وفكرة التراث، من عقلية الاحتفاء إلى فكر التأسيس، ووضع الأسس التي تبنى له عليها قواعد وقوائم صادرة عن مبحث ضروري قد نسميه: فلسفة التراث، بما هو نابع من علوم الروح في خصوصيتها الجزائرية الممتازة من حيث كونها تبتعد عن المقارنات العقيمة التي تضعها في فخاخ الأيديولوجيات المنفية وسياسات ردود الأفعال الظرفية.
تدعو الضرورة التأسيسية لتفكير التراث الجزائري إلى تشكيل لجان من أساتذة جامعيين مختصين في مختلف المجالات، على رأسهم أساتذة الفلسفة الذين يدركون جيدًا الطابع الروحي والإنساني والثقافي، لأجل التمكن من وضع البنى العقلية المؤسسة لعلم التراثيات، بوصفه لبنةً علم الروحيات، وجِماعُ الفلسفة بالثقافيات.
لماذا أستاذ الفلسفة والتراث؟ لأنه القادر على لمّ شمل الفكرة المجردة من تخصصات مختلفة: الفنون، والمسرح، والرقص، والعمارة، والخياطة، والموضة، والبناء، والتقليديات، والنحت، والصخور، والتصميم الفكري والفني، والحِرَف، والحَكَايَا والأحجيات، والمهن الفنية؛ للقيام بتأويل الفكرة الشاملة في راهنها، وصَهرها مع ماضيها أو ماضي شبيهاتها، وما يتجلى فيها من قصدية ترنسندنتالية رافضة لكل أنواع أحكام التذويت المفارقة للهوية الجزائرية. فالهوية الجزائرية متفردة بخصوصيتها، منفكة عن التشبيه والوضع في بوتقات الترفيه والاستعمال والاستهلاك.فالهوية الجزائرية، حين تسرد ذاتها، تقول ذاتها بمنطق التعذّر عن التصنيف والدمج التاريخي والجغرافي، بل إنها لا تستنجد أبدًا لإنقاذ شرفها بما أن شرفها مكتوب بحروف من ذهب في تاريخ الأصالة المتنزّهة عن العًمًالًةِ.
رئيس التحرير: أ. قواسمي مراد
منشور: 2026-05-20