يعد موضوع الأخلاق من المواضيع المهمة والهامة، التي بها نستطيع وزن القضية المطروحة وما مدى تناسقها مع متطلباتها وأهدافها المنشودة، فاللمارسات الاتصالية في الإعلام لا تستوي إلا إذا ارتكزت على منظومة أخلاقية ترعاها وتراقبها كي تضمن شرعية ما تقوم به على حلبة الساحة تجاه المواطنين. فانصهار الممارسات الاتصالية بالأخلاق يجعلها تطرح القضايا الاستراتيجية التي تخص الوطن والمواطنين، وكل ما له علاقة بحلبة الفضاء المجتمعي بلغة واضحة وجلية، بعيدة عن الخطابات الشعبوية، التي تفتقد إلى أخلاقيات تواصلية هدفها وهمّها تقاسم الحقيقة عن ما يجري في كنف الفضاء المجتمعي.

وبهذا بدأ موضوع الأخلاق ينجلي ويفرض ذاته على الجميع بعد تعدد وتنوع وسائل الاتصال، إضافة إلى اتساع النظام الليبرالي نتيجة التطور الهائل والمتزايد لرأس مال النقدي التي تقوده مؤسسات عالمية، والتي أفضت إلى سوق تجارية عالمية. كل هذه المحددات المذكورة تعاني من الأنانية وعدم المشاركة الشفافة لباقي الأفراد لإسماع صوتهم ورأيهم في ما يجري، كي تكون فعلاً ديمقراطية تشاركية تلزم الجميع احترام النظام، وتكفل الهيئات بتحمل مسؤوليتها عما يجري في هذه المعمورة، حيث جعلت من مهمة الإعلام وسيلة لتحقيق غايتها من خلال الإشهار لعرض بضائعها على حساب الأغلبية الساحقة للمجتمع، إضافة إلى تشويه الواقع بعيداً عن اللغة الواقعية والصحيحة.

 

 

يلعب الإعلام والاتصال في عصرنا هذا، وظيفة أكثر من وظيفة "اتصالية"، بل وظيفة تأثير وتوجيه وخلق رأي عام أو تحويله أو شحنه أو توجيهه، بما يراد له أن يكون. ليس هذا قاصراً على الدول التي بدأت تخطو خطواتها نحو "الاتصال" الإعلامي مع الجماهير، بعدما كان همها الأول والأخير هو "إعلامه" وإخباره، بما يراه المرسل مناسباً، وإنما هذا الإشكال يطرح اليوم على صعيد أممي: الرأسمالية التي أنتجت الليبرالية والتي من بين أهم ركائزها التعددية وحرية الفرد والعقلانية وفصل الخاص عن العام. لم يعد فيها الاتصال الإعلامي، ولم يكن كذلك يوماً، وسيلة اتصال وتواصل بقدر ما كان أداة توصيل وهيمنة وتوجيه تتحكم فيها كبريات شركات الربح الكبير الصانعة للرأي العام والمتحكمة فيه. بمعنى وجود مشروع ليبرالي يسعى لتعميم أنانيته على الآخرين، ويجعل موضوع المماثلة هو سيد الموقف، وذلك بعدم الاعتراف بالحدود وبالهويات والاختلافات الموجودة والمطروحة في الواقع، وبالتالي تسخر وسائل الإعلام للعمل على تجسيد وتكريس هذا الموقف بتزويد الأفراد والمعلومات والأقاويل التي تفتقد إلى أدنى شروط الصحة والمصداقية.

أ.د. بن عمر يزلي

منشور: 2026-08-10