إن السؤال؛ لماذا لم ندون؟ لا نعني به لماذا لم نكتب؟ سؤال التدوين لم نطرحه على أنفسنا كقيمة وجودية، لماذا لم نسأل أنفسنا هذا السؤال الوجودي رغم أننا كعرب غالباً ما نُتهم أو نَتهم أنفسنا بأننا مجتمعات شفهية، يفهم من هذا المستوى من التدوين أننا لا ندون بمعنى لا نكتب، وهذا ما يتماشى ومفهوم التدوين، بمعنى عملية بناء وإعادة بناء شاملة للثقافة العربية الإسلامية، أو ما اصطلح عليه بعصر التدوين، أي التسجيل والتقييد والتحرير التوثيق، وكأن التدوين في البدء كان كتابة. فهل يجب أن نكتب لكي يقال علينا أننا أمة تدوين؟
هذا الحكم يبدو مشروعاً في حدود التصور الحصري لكلمة تدوين، ولكن لو تأملنا شاهداً من شواهد الثقافة العالمية كما هو الحال مع سقراط؛ وهو حكيم وشاهد ميلاد حضارة كونية، فإنه لم يكتب بمعنى التدوين؛ ولكن مع ذلك بقي حياً، بل إن أفكاره بقيت حية فينا إلى اليوم، وهذا ما يدل على أن الحامل للفكرة لا يكون بالضرورة فعل الكتابة من حيث هي تدوين بقدر ما يكون الحامل للفكرة فعل الكلام. إن الكتابة كاشف عارٍ تكتشف الفكرة من خلاله الفكرة عن طريق الحامل (اللغة) المعبر به. فالتدوين من حيث الكتابة يترجم أفكارنا وهو بذلك يترجم نضالنا من أجل البقاء.
ولكن ليست كل الكلمات باستطاعتها أن تستوعب حمولة الفكرة، لذا فنحن نكتب أحياناً متخفين ما بين أرصفة العبارات وفق نظام معين وفي كثير من الأحيان نكتب ونحن صامتون بفضاء فعل الحكي (السرد).
والبقائي الذي يحققه التدوين من حيث هو نضال لا يفرض علينا فقط أن نقوم بفعل الكتابة بل يمكننا أن نتوجه اهتمامنا لفعل التدوين ومن هنا كانت كلمات المربي مقدسة كما لو أنها كتابة، بل أننا دائماً نردد الحكمة القائلة "التعلم في الصغر كالنقش على الحجر" مما يحيلنا على دلالة أعمق والتي نعني بها دلالة الأثر.
إن الأثر لا يحتاج إلى كتابة بقدر ما يحتاج إلى زمن، أي أن نمسك باللحظة من حيث هي لحظة وجود، وذلك من خلال الإندماج في الصيرورة المتدفقة للزمن لكي نعبر ونكشف عن وجودنا فيصبح التدوين من حيث كتابة تحقق للوجود بل سر الوجود نفسه؛ فتكتسب الكتابة قداستها. إن الكتابة من حيث هي تدوين وأثر وبقاء ونضال لا يمكن أن تفهم سوى كأصل للوجود.
لذلك لا نحتاج من وراء مجلة التدوين سوى أن نفتح منابر عملية جامعية للكتابة، ولذلك جاءت مقالات هذا العدد الأول متنوعة من حيث المواضيع ومن حيث الطرح حيث تمت مراعاة مشاركة أكبر عدد من المنتمين لحقول العلوم الاجتماعية والإنسانية وكذا الأدب بلغات متنوعة كما حرصنا على أن يسهم الأساتذة الجامعيون من مختلف جامعات الجزائر ومن الخارج حتى يتم إثراء التدوين بالتصور الذي نسعى جاهدين لكي لا يكون كتابة فقط وإنما أثرة أصيلة للوجود.
منشور: 2026-07-25