كلمة التحرير

يأتي العدد الثالث من مجلة التدوين بنوعية موضوعاته وتنوع لغات الكتابة ليعبر عن واحدة من أهداف اللجنة العلمية والذي نعني به الضيافة. الضيافة التي تمنح الرغبة في الشراكة بمعناها الواسع، ضيافة حارة ومستمرة بالمعنى الذي يكون فيه التلقي والاستقبال عنصران أساسيان. في السنوات الأخيرة من القرن الماضي أصبحت مناهج نظرية التلقي من خلال تحليل الخطاب محور النقاشات العلمية في ميادين العلوم الاجتماعية والإنسانية، الفلسفة والرواية. كل واحد من هذه التخصصات ساهمت من جهتها لكي تأتي بتوضيحات سمحت بلا شك للخطاب التي تحملها يثرب أكثر من بعضها البعض. هذا اللقاء نتج عنه تكاملا في المقاربات والمناهج والذي سمح للترجمة أن تسلح أكثر داخل تصورات الهيرمينوطيقا وأن تستفيد من الحقول الفكرية. حول هذه النظرية تتطاطع المقالات الأولى لكل من عبد الرحمن الزاوي، عمر بوساحة، امحمد عيساني و حفيظة بلقاسمي ونادية بونفقة حول الترجمة ونظرية التلقي. كل واحد من زاوية تخصصه حاول أن يحلل هذه إشكالية سواء انطلاقا من مفكر/ فيلسوف مثلما كان الحال مع بونفقة وعيساني أو من مشكل ما كما هو الحال مع الزاوي وبوساحة أو من خلال حقل تطبيقي كما هو الحال مع بلقاسمي. وبدون الابتعاد أكثر عن هذه المقاربة مقالات كل من عبد الكريم العايدي ورجيس مته وفاطشيمه سيدي عثمان باللغة الفرنسية أتت لتفتح النقاش على إشكاليات المثقف والمنقف، انطلاقاً من قلق المنقف إلى إعادة تأويل فكر ماركس. المقالتين حاولتا أن تضع اليد على طرائق الضيافة بالمعنى الصداقة أو كيفيات العيش معا وهكذا فاطشيمه سيدي عثمان ومقال إدريس بلحسن، باللغة الفرنسية، فتحا النقاش حول الجندر ومسألة الجسد في المجتمعات والمؤسسات المختلفة.

الجزء الثاني من المقالات لكل من رشيدة صاري وشهريزاد دراس و عبد الوهاب مطاري وبن الزواو السعدي وبلحضري بلعزة ركزت على إشكاليات تمس مسائل التلقي من خلال الإيتيقا والأخلاق أو الإصلاح لتتداخل مع خطاب القيم وفاعليته في الفضاء العمومي. هذه الإشكالية، إشكالية الفضاء العمومي هي التي نجدها في تفكير بن الزواو أو فراس سواء في تناول العلمانية التي تشكل اليوم مسألة في غاية الأهمية في الممارسات الاجتماعية أو حتى ضمنيا في أطروحات المفكر محمد أركون.

في نفس مسار النقاش سليمة بوشقرة خصصت مقالها للرسائل الهاتفية القصيرة لتكشف عن الممارسات الإرادية للكلمة وكذلك تأثير القنوات التكنولوجية على الروابط الاجتماعية. طرق التحاور ليست فقط تكنولوجية بل أن التعابير الفنية/الجمالية كما هو حال الموسيقى يمكنها أن تلعب دور التلاحم للروابط، بهذا المعنى مقالة سالم العيادي حول الموسيقى عند الفارابي تبين قيمة التراث العربي الإسلامي في محاولته للتفكير في إمكانات التطبيق العملي للعقل. المقالتين اللتين أتتا ضمن الباب الخاص بميدان البحث كانت اختصاصيتين للمؤسسة وللفيلسوف نيتشه وقد تبعت نفس المسار الذي شكل محور العدد اللائق. كما سمح لنا الحوار الذي أجرته تنسي ليلي وترجمه الدكتور قواسمي مراد مع الأستاذ مونيك ديكسو خلال زيارتها لمدينة وهران والذي يلخص تجربة نصف قرن قضتها في تدريس أفلاطون سيساهم بلا شك في تبيان قيمة مجموع مقالات هذا العدد لأن تلقي النصوص الأفلاطونية كما توضحه في كتابها أفلاطون الرغبة في المعرفة، أخذ لحد الساعة مسارات متعددة بدون أن يصل إلى الرهان الذي يعقده أفلاطون نفسه على فك صوفيا أو الرغبة في المعرفة.

منشور: 2026-07-25