يأتي العدد الثاني من مجلة التدوين غنياً بمقالات متعددة الرؤى مبنية في مجملها على محور واحد صبت فيه جملة المقالات ونعني بذلك مفهوم الغيرية، حيث جاءت مقالة الزميل والصديق الأستاذ عطاء الله زرقانة رحمه الله؛ أول وليس للمجلس العلمي لمعهد الفلسفة بجامعة وهران فاتحة لهذا العدد، وهو الذي عمل طويلة حياته العلمية ضمن أفق التوحيدي، كما أن المقالات التي أتت بعد ذلك، ونعني بها مقال الأستاذ محمد جديدي، حول العزلة بمثابة تكملة لإشكالية الغيرية وهما في ذلك يلتقيان مع مقال ماريا سورز من جامعة مونتريال الأرجنتين، والتي تناولت نص من بين أهم النصوص لجان جاك روسو "إميل" للحديث عن مسألتين.
فتتعلق الأولى بسفر النصوص وهو نوع آخر من التلقي قلما انتبهنا لأهميته من حيث التأثير، ولقد أصبحت اليوم له نظرياته التي تعالجه ونعني بذلك نظريات استقبال النصوص الخاصة بتحليل الخطاب وهي في ذلك تلتقي مع مقالة الأستاذ مصطفى بلبولة الذي تناول مسألة اللغة عند لايبنتز الذي يبحث عن لغة كونية للغة الحاملة لمعاني الوجود وعليه يمكننا أن نضع مقالة الأستاذة نوال بوفراح حول اللغة الإنسانية ضمن هذا الإطار. أما المسألة الثانية فتجد تطبيقاتها المحورية في المقالات اللاحقة خاصة مقالة الأستاذة مباركة بلحسن التي تناولت واحدة من أهم القضايا المتعلقة بالجنس ونعني بذلك مشكلة الهوية التي ليست شيئا آخر سوى ذلك الوعي الذي نحصل عليه عبر معرفة الآخر، ومعرفة ذواتنا. وفي هذا الإطار تأتي مقالة الأستاذ عبد الحكيم سليم التي تناولت مسألة مهمة، بل إثرية حقيقة؛ إذ عرج على الذكورية؛ واحدة من بين أهم أساتذة الفلسفة بالعالم العربي التي كان لها باع في إرساء قواعد البحث الفلسفي تأليفا وتقديما، الأستاذة أميرة حلمي مطر، خاصة كتاباتها وترجماتها للمحاورات أفلاطون، وعلم الجمال؛ وذلك ليس بغرض التأريخ لهذا الاسم بقدر ما كان انطلاقا منها لخلق التواصل داخل الجنس، الجندر.
وليس ببعيد عن هذه الإشكالية تناول الأستاذ كريستوف فولف من ألمانيا مفهوم الصورة والخيالي ودور المخيلة على أساس أنها وسائل للتواصل في ظل حوار الثقافات أو حوار الحضارات. وموضوع الصورة هو الذي نجده بكيفية أو أخرى في مقالتين أخريين تناولات الأولى مقالة الأستاذة صبيحة كعيم من خلالها مشكلة/ ظاهرة الحوقلة على أساس التحليل الميداني ولكن من حيث التنظير تبقى ظاهرة الحراقة مرتبطة بالصورة التخييلية لما يمكن أن تبني عليه المخيلة من صور بالنسبة لبلدان الاستقبال؛ أما مقالة الأستاذ مختار مروفل فقد عرجت على مجموعة من الأسماء التي تناولت بالتحليل والدراسة مجتمعات الضفة الجنوبية من المتوسط. كما جاءت مقالة الباحث منصور قنيعر فاتحة أخرى لمفهوم الحرب من خلال مقالته التي تناول فيها التصورات والمفاهيم الجديدة للحرب. هذه الموضوعات نجدها حاضرة في مجملها كميدان للبحث لدى مجموعة من الباحثين بالكتورة للعلوم الاجتماعية والإنسانية حيث تم اختيار نموذجين: الأول للباحثة خديجة بنخير بمعية الأستاذ المشرف منير بهادي حول صورة الحرب عند الأمير عبد القادر الذي قدم تصورا ومفهوما جديدا للحرب قلما انتبهنا إليه وهو الحرب المترحلة. كما أتت مقالة الباحثة أسماء بلعيدي بمعية الأستاذ المشرف حسين صفيان لتطرح إشكالية نقل اللغة من وإلى اللغة الأصلية وطرائق تدريس الترجمة. لم يخرج هذا البناء كله عن الحيوان الذي أُجري مع الفيلسوفة فرانسواز داستور والتي تناولت من خلال إجاباتها قضايا متنوعة صبت في مجملها ضمن المواضيع التي تضمّنها العدد، ولعل القارئ لهذه العدد سيدرك ذلك حينما يقوم بقراءة محور العدد الثاني من التدوين.
في الأخير، لا نشك مرة بأن العربون الوحيد الذي يبقى، هو أن نوى أقلاماً متنوعة المشارب مختلفة الرؤى تثري بمقالاتها ودراساتها، بل حتى انتقاداتها، هذا العمل.
منشور: 2026-07-25