تطل علينا سلسلة الأنوار في هذا العدد الموسوم بــــــــــ "بحثاً عن عنوان... الفلسفة بين الثقافة وعلوم الإنسان والصحة!"

تمثل الثقافة أحد مظاهر الفلسفة وعلوم الإنسان حيث تقوم تحليلاتها على استراتيجيات التناول الفينومينولوجي والتأويل عبر الابتعاد عن المعطيات المتعالية للحياة الإنسانية والاهتمام بالسياق العملي، التاريخي والاجتماعي وحتى النفسي، إذ تتجلى قيمة العلاقة بين الفلسفة، الثقافة وعلوم الإنسان عبر توضيح مسارات النظر الفلسفي من حيث الرؤى: بداياته التاريخية ومنطلقاته، علاوة على إجرائيته، وبالتالي حضوره على مستوى العلم الإنساني، وهذا ما يستدعي مساءلة وإثارة القضايا الكبرى والإشكاليات الرئيسة فيه والتي تكشف عن إنجازات الثقافة بوصفها أحد الأبعاد الفلسفية.

هناك قناعة أساسية في هذا المقام: أن مجمل العلوم الإنسانية توظف الفلسفة حتى في صورتها الصامتة، ومن دون اعتراف منها وجهر به. وتكمن أهمية فلسفة الثقافة في إعادة الاعتبار للفلسفة التي حاولت العلوم الإنسانية أن تتنكر لها بوصفها مهداً وأرضية خصبة لولادتها. كاسرير Cassirer، مثلاً، يقيم نقده للثقافة على أساس المواجهة النوعية بين علوم الطبيعة وعلوم الثقافة، ويؤسسه على الفارق الفينومينولوجي الذي يميز التوجه المزدوج للإدراك، بحيث يتجه إلى طرح سؤال الطابع المنطقي لمفاهيم العلوم الثقافية وهو الطابع الذي يتحمل تشكيل وحدة العلوم فيما وراء تعددها بتميزها عن غيرها من الحقول المعرفية. إنه من الضروري طرح مشكل الطابع المنطقي، في هذا المجال، أو الأساس المنطقي لتوحيد علوم الثقافة من أجل تطوير الحل الذي يقترحه (أي كاسرير) على نظرية التصور وذلك من خلال التوجه المنطقي الصارم ومواجهة مشاكل الأزمة الجوانية للمعرفة والتأكيد بأن البرهنة على أن طبيعة موضوع علوم الثقافة يلغي الادعاءات المتعلقة بكونية التاريخ، علم النفس والعلم الطبيعي. والحالة هذه فإنه لا بد من التعمق في الأساس المنطقي لعلوم الثقافة.

غرض هذه القراءة فك العزلة المفروضة على فلسفة الثقافة وتوجهاتها النظرية والعملية انطلاقاً من الحقول المعرفية كلها لأجل تحقيق التواصل والانسجام، فالفهم الذي أتت به الفلسفة لعلوم الإنسان شكل نقطة محورية في حقل إبستمولوجيتها التي تمثلها كل مدارس التأويل الفلسفي من فينومينولوجيا، تفكيك، ونزعة حدسية ووظيفية، إذ تمثل هذه الأخيرة القاعدة المعرفية والمنهجية لممكن تأويل فلسفة الثقافة ضمن علوم الإنسان، فتتجلى فلسفة البراكسيس كأفق ثقافي نحو النصوص والأبحاث الميدانية التي يتكلف بها بعض الباحثين المتخصصين في "الوسيط الثقافي المعاصر" إلى جانب "فلسفة الفن، التراث والمهن الثقافية" بوجه خاص، بحيث تستهدف الكشف عن مناطق الاعتراف الصريح والخفي عن قيمة البعد العملي للثقافة في حياة المجتمعات وحضورها من خلال عملية تأمل النصوص ومقابلتها بالسلوكيات الميدانية، وهو ما يتطلب التالي: أولاً، من ناحية البحث في تأسيس مفهوم الثقافة وانتماءاته النظرية عبر تأويل وتحليل فلسفيين، وسبر أغواره من خلال مختلف توجهات فلسفة الثقافة، وثانياً، من جهة البحث عن مدى إمكانية العثور على التصورات الفلسفية النظرية في أرض الواقع: في المعتقد والأسطورة والدين والذهنيات، والفن والآداب والتاريخ؛ أي أن المهمة مزدوجة تتراوح بين فلسفية وأنثروبولوجية.

أ.د. مراد قواسمي

منشور: 2026-08-12

في دلالة الوسيط الثقافي

بن مزيان بن شرقي

01-09

حضور الموروث الشعبي في الأدب الجزائري النسق و المآل

حبوشي بنت الشريف, محمد عدنان بلعيدوني

21-44