تطل علينا سلسلة الأنوار في هذا العدد الموسوم بـــ: ”المدينة والإنسان“
جُبِلَ الإنسان على ثلاث: التصوّر، التجمع والتمدّن، وفي هذه الخصائص تتحقق الإنسانية دون الحيوانية، مُضافَة إليها خاصية الأخلاقية. فالجمع الحيواني لا يفكر، والجمع الذي لا يفكر يبقى غريزياً، عشوائياً. ومن هذه الخلطة الإنسانية الخالصة قرّر أهل الفلسفة هندسة الفكر، وأهل علوم الإنْس عرض الذكر، في قول حقيقة البناء وتجسيد المدينة في أجلى حُلَلِ البهاء، كما كتب كثير البلغاء، من أفلاطون وأرسطو وأغسطسين والفارابي وابن باجة، عن أحلام المحدثين والقدماء في إمكان المدينة بين الأرض والسماء وتواتر أخبارها بين أهالي بُلهاء ومواطنين فُضلاء.
المدينة فكرة، سلوك ومظهر حضاري ينبؤ عن نمو فكر الإنسان وسلوكياته وقابليته للتكيف مع الغير ومع الغريب، اعتباراً من أنها تحقيق للكثرة في الوحدة ولقاءات الجواهر الفَرْدَة. وبهذا جاءت النماذج الفلسفية للإنسان في المدينة واصفة له بصفات الكمال، في المعاملة واللباقة في السلوك، ومظاهر الجمال، في التخطيط والرسم والفنون، وعلامات المآل، نحو القانون والنظام في سير الأمور. إنها صورة لاحترام مؤسسات الدولة من باب كَوْنِ المدينة أهم تجلٍّ من تجلياتها على الواقع. إنها تعني "فعل تجاوز مستمر لحالة الفرقة النابعة من "حالة القصور" التي يواجهها الإنسان لدى غَلَبَةِ العزلة عليه، فيصير منزوياً، غير قادر على تجسيد فكره ولا فعله. والحالة هذه، يتطلب الأمر اتحاداً بعد التجمّع. اتحاداً يتضمن التخلص من العقبات والتملص من قوة الضربات، بغرض الوصول إلى نماذج المدينة العاقلة (مدينة العقلاء) أو المدينة الخيّرة (مدينة أهل الخير).
تأتي المدينة إذاً في بَرْزَخٍ وَسَطْ، مُجَاوِزَةً لكل الخُطَطْ، بين واقع أنثروبولوجي وتصور فلسفي، على فارق بسيط بين الفعل والتصور. وهذا ما تسعى مناسبتنا، هذه، لبحث أسراره وكشف مكنوناته. إن المدينة جمع للمتفرّق وتوحيد للمختلف مع الإبقاء على خصوصية الاختلاف. ذاك أن القادم إليها يبتغي إما الهروب من واقع مر (العزلة والإرهاب في الضواحي) أو طلباً للثروة، من باب الانفتاح الاقتصادي والتفاعل الثقافي، لتصير ملجأً ممنوحاً وملاذاً مفتوحاً. غير أنها في المقابل مناقضة لواجهتها من باب حصدها للخصوصيات ونافذة قتلها للهويات ورفع ستائر الحميميات، وفي ذلك تتبدى مفارقاتها الأخلاقية وتتعرى ازدواجياتها المعيارية، فإلى أي مدى يمكن هندسة المدينة فلسفياً؟ وكيف يصير مقبولاً جعلها أفق تعايش إنساني ممكن؟
أ.د. مراد قواسمي
منشور: 2026-08-10