تعد الأنثروبولوجيا الفلسفية حقلاً فلسفياً يمكن إدراجه ضمن الفلسفة العملية، وهو ما يسمح بالتخلص من البحث في قضايا الفلسفة المجردة لصالح الفلسفة العلمية والعملية كـ: فلسفة الثقافة، فلسفة الدين، المعتقد، العلم، الأخلاق، الفن، الصحة...
"اعرف نفسك بنفسك"، ذاك هو شعار الأنثروبولوجيا الفلسفية جمعاء، بما أنها تحث على إجراءات تأمل الذات المتكرر، بل وتلك المحاولات التي ينجزها الإنسان لفهم ذاته. إن التأمل في الذات قد يعني أمرين:
-
وفقاً لما يواجهه الإنسان في حياته ويسعى لتمثل ذاته من خلاله.
-
وفقاً لما يصبح هو والحياة بالنسبة له مشكلة معرفية. إنها مسألة تتراوح بين زاوية الحياة وزاوية المعرفة.
تتمثّل المهمة الرئيسة لهذا العدد من مجلة "سلسلة الأنوار" في محاولة ضبط التصورات والتعرّف على المهام التي تقوم عليها الكثير من الممارسات والطقوس المنتشرة في الفضاءات الاجتماعية والعمومية، وحتى الكثير من الأفكار ذات الشيوع اليومي: الدينية، الاجتماعية، المؤسساتية، التواصلية... أنطولوجيا ضمن جيندر ما بلغة هيدغر الوقائعية. فمثلاً يقيم كاسيرر نقده للفلسفة على مواجهة التعارضات الميتافيزيقية التي لم تصبح ذات فائدة، بحيث يقوم بتحليل التصورات والرموز تحليلاً فلسفياً لظواهر أنثروبولوجية، يسميها بـ "الأشكال الرمزية" والتي على رأسها: اللغة، الأسطورة، العلم، الدولة، الثقافة. إن الركيزة الأساسية، هنا، هي التوجه المباشر إلى "المعيش الإنساني"، لأن الفلسفة لا تنفصل عن المعيش، بما هي خاصية إنسانية، ودور "الأنثروبولوجيا الفلسفية" يكمن في توصيف وتأويل وإعطاء المعنى فينومينولوجياً وهرمينوطيقياً لمختلف الوسائط الرمزية التي تقوم عليها الحياة.
يتحدث شخص، بناءً على تجربته الخاصة، يريد أن يعطي معنى ما لما يختبره، وهو في ذلك بحاجة إلى ضبط تصوراته، ومن أولى هذه التصورات مثلاً: ما الإنسان؟ وهو يجد نفسه في هذا المقام بحاجة إلى معرفة ذاته وفهمها لكي يجعل الآخرين قادرين على فهمه هو نفسه، وعليه يكون بحاجة إلى إتقان ترتيب ذاته ضمن أشياء الوجود بعامة... أي إنه يجد نفسه أمام ضرورة تشكيل رؤية خاصة به عن نسق الحياة ومجالاتها ليشكّل أفكاراً وتمثلات تسمح له بتجميع أحداثها، ذلك أن كل قوانين الفكر توحّد أشكالاً تعبر بها عن مواقف نموذجية عن الإنسانية والحياة. إنها نوع من فلسفة الحياة المحايثة للإنسان بحميمية لا نلقى نظيراً لها في مجالات أخرى، فكل التعابير التي يستخدمها الإنسان لاستيعاب حياته هي جزء منها.
هذه الفلسفة ذات النزوع الإنساني تجعل من الإنسان فيلسوفاً للحياة، إذ تمكنه من بناء أفكار عن الحياة، وتسمح له بإدراك نتائج عنها، وحتى من تحصيل نتائج من تجارب سابقة له. إنها تقدّم للإنسان، حتى وإن كانت غير كافية للعلم الدقيق، الجو العام الذي تولد فيه الإبداعات الروحية، وتعمل على ضمان استمرارية التخلص من العزل الذي يبدو أنه مسيطر على هذه الإبداعات في حال اعتبارها خارج نسق الحياة.
لا يمكن الكشف عن البعد العملي للفلسفة سوى ضمن حقول بحثية تتداخل مع مختلف علوم الإنسان بسبر أغوار أبعادها التي تتسم بطابع البراكسيس، فالدين مثلاً ينطلق من الحياة ويؤدي إليها. المباشر بوقائعيته هي نقطة الانطلاق، ومنظور الحياة، لدى الإنسان الديني، أن تتمكن وقائعية الحياة هذه من أن تكون متأوَّلة انطلاقاً من ذاتها، فهي لا تفهم إلا انطلاقاً من الأحداث الأسطورية المجاوزة للحياة في إمبريقيتها، غير أن الدين يفترض امتداداً للحياة، تعالياً للحياة بالنظر إليها، يكون بمثابة الذروة لها والإنجاز الأقصى، والصحة والسياسة والإرادة كلها قياساً على ذلك.
رئيس التحرير أ. مراد قواسمي
منشور: 2026-08-10