الفهرس

 

 

 

 

 

 

ارتقاء بالطفولة في التفكير والتدبير: استئذان أبواب العالمية

يمزج هذا العدد طموحات متعددة، تفكيراً وتدبيراً. فمن ناحية التفكير يخصّص الاهتمامَ بسؤال الطفل والطفولة من جهة التناول الفلسفي انفتاحا على ممكنات النّقد والفضول التي لن تتوافر إلا باستئذان أبواب الحياة السّامحة بعيشٍ وظروفٍ غير حائلة بينها وبين الرَّاحة الذهنية والسلوكية. غير أن واقع الأمر يجعل مساءلة التَهَيُّءِ ضربا من الضرورة في الحَثِّ على مدى الاقتدار الموفور للطفولة من ناحية الصحة الجسمانية تحرّرا من الإعاقة، والصحة الاجتماعية تخلصا من محرِّمات الرّغَدِ في المعيش، المريح منه بأقل ضريبة، فيتمكن الطفل من تحقيق اندماجه وتسهيل تواصله عبر مُختَلِفِ الوسيط من أدوات العصر. ولكن الأمر غير ممكن احتكاره خدمة لغايات الفكر في عوالم الطفل. الطفل هو فاعلُ المستقبل وصاحب الإسهام فيه، ومن سبل الحفاظ على دوره ضرورة الاعتناء بصحته الجسدية موازاة مع النفسية والفكرية منها فيكون سؤال الرياضة البدنية وتجديد الطاقة للروح بوساطة الجسد إلحاحا منهجيا في ترتيب مادّة هذا الإصدار، متابعة لترتيبات الجسد وممكن الترفيه به عنه وانفتاحا على آخَرٍ قد لا نعرفه إلا بمداولة ألعاب العقل والجسد.

من بينها المشي والجري تعبيراً عن استعداده وقوته في التنافس، يعني في تحقيق تذاوتية جسدية مع أجساد أخرى، وفي التفاعل مع عالم لا يمكن للعقل أن

يسجل فيه أدنى حضور. إن الدليل الفينومينولوحي على هذه الحضورية هو اعتبار الجسد مدخلا لتحقيق تطابق وتعاطف مبدئي في عملية التواصل العقلاني، أي أن العقل لا يبدأ بما هو عقلي بل بما هو جسدي، ومن هنا تندثر كل الافتراضات المثالية في تهميش الجسم باعتباره كيانا غير ذي أهمية في تسجيل الحضور عبر الحركة.

الرياضة نوع من تحدي الموت بالتخلص من الأمراض، هي طريق في إطالة العمر والمحافظة على نظارة الجسم، تتحدى خمول الجسم وميوله إلى الاهتلاك والهلاك: الموت، يعني أنها أحد أكبر مقولات الحياة ضد أكبر مقولات الموت، لتناقض فكرة أن الإنسان مشروع من أجل الموت. أَمْسَكْتُكَ أيها العدمي، نيتشه ساخرا من فلوبير، الذي لا يكتب إلا وهو يجلس. فلوبير يعدم الحركة متناسيا أن جسده يفكر أيضا. إن أسمى حركات الفكر لا تصدر إلا من الجسد: الرقص، الخفة، الرشاقة، تسلق الجبال والتناغم مع لحن العصافير ... وليس الاستسلام للفكر الساكن ...الجسد الرياضي الرشيق يتحدى الميتافيزيقا السكونية المملة الغارقة في غياهب العدم الساكن متجها نحو الموت البطيء. الحركة أمل وتأمل بالجسد وتطهير له.

يتجلّى منحى الإصدار هذا في إجهاد الذات على احترام مكاسب التربية والتكوين باعتبارهما أحد التَّشَاكِيلِ الجوهرية في إخراج جيل متسامح، نابذٍ للعنف محترمٍ للتشاريع والقوانين من ناحية روحها، وذلك أبسط مُشتَرَطَاتِ مواطن، مستوعب للدرس الفلسفي والحضاري، ما يجعله أكثر قابلية للتفاعل مع حضارات الغير، تثاقفا ومثاقفة ولكن، كذلك، أكثر شموخا في الحفاظ على ذاكرة الوطن ومعرفة مصادر التاريخ وثباتا على هوية الذات الوطنية لا ذوبانا في عين الآخر تخليا عن المبادئ والأساسات، من منطلقات وعي المكان والجغرافيا بجنب الزمان والتاريخ

منشور: 2023-02-20