تطل علينا سلسلة الأنوار في هذا العدد الموسوم بـــ ”تقاطع العلوم والمعارف“
يتعلق السؤال اليوناني الذي يختص بفكرة "العلم الكلي" بالتساؤل عن "منهج كلي"، وهو ما اتخذه أعلام العلوم سابقاً كرؤية شاملة للبحث عن الحقيقة، إما في صورة الطريق الرياضي في العصرين القديم والحديث [أفلاطون، ديكارت، لينبتز وسبينوزا]... أو الدرب التجريبي كما يوافق عليه أهل الدّربة من دراية بكل شيء في العالم بدقائقه وتفاصيله. غير أن الحاجة إلى منهج شامل وكلي صارت من باب العُرف القديم والتقليد العتيق، نظراً لتواري مفهوم "الكلي" وحلول "الجزئي"، والتخصص بديلاً عنه. والمعنى أنه لم يعد من المجدي البحث عن منهج كلي، بل تواترت ظاهرة المناهج المختصة بتوالي التخصصات العلمية، ومع انتقال العلم من الوحدة إلى الكثرة، انتقلت المناهج للتعبير عن أهميتها بكثرة. كسواعد ضابطة للعلم هذه الأخيرة تقدم خدماتها، إلى درجة وجد هنري آدامز نفسه معها يعترف بأن "السديم هو قانون الطبيعة والنظام هو حلم الناس." فإن الأشياء تُعرض على طبيعتها على سبيل الفوضى واللانظام، بينما يحتاج الفكر البشري إلى صياغتها في قوانين وعرضها بطريقة ممنهجة كي "ترقى" إلى مصاف المعرفة العلمية، مصاف العلم باختصار. لهذا كثيراً ما يُختزل العلم بأنه هو المنهج عينُه، بناءً على الأهمية القصوى للكيفية التي تُعرض بها مضامينه، فقد تغير فحوى العلم من "مجرد معرفة جواهر الأشياء"، إلى "بحث التنظيم المنهجي للظواهر"، وهو ما يعني ميول الكفة لصالح "طريقة المعرفة" أكثر منها على موضوعاتها، ولعل هذا ما يوافق عليه كارل ياسبرس لدى قوله بأن "العلم هو المعرفة المنهجية التي يكون محتواها، بشكل ملزم، ثابتاً وصالحاً بصفة شمولية." هذا التصور الشاسع جداً هو ما أعطى الحق لمختلف العلوم بادعاء صلاحياتها بما هي ذات مناهج توافقها وبما هي شروط في تحقيق هذه العلمية، فالقانون صار علماً والسياسة صارت علماً وبحث الظواهر النفسية صار علماً... وكذلك بحث الظاهرة الاجتماعية وهو حال الترجمة والأنثروبولوجيا وغيرها. الأمر الذي جعل نوعاً من السديم يسود، سديمٌ يتضمن عناصر مختلفة جداً ولكن دقيقة جداً. هذا ما يستدعي تعدداً رهيباً للآليات والمناهج إلى درجة انقلب فيها السديم على نفسه وأخذت المناهج أهمية أكبر من اعتبار محتوى كشف الجواهر من حيث هي حقائق تختص بالظواهر وهو حال الانفلات المعاصر الذي عرفته العلوم والمعارف والحقبة الراهنة من فوضى المناهج وراح يعبر عنه غادامير من جهته، بعبارات عدم التناسب بين مناهج العلم الطبيعي المنقولة آلياً إلى ظواهر العلم الاجتماعي والإنساني، عبر استدعاء الفهم بوصفه فناً إنسانياً يحقق التعامل مع العلوم بأفضل سبل العلم الطبيعي لكونه (الفهم) انفتاحاً على الأفق الإنساني والممكن العلمي، علاوة على النفور الكلي لفيراباند لما يسميه بفوضى المناهج، فإلى أي مدى يمكن الحديث عن التوافق بين سديم العلوم والاستدعاء المكثف للمناهج ؟ وما سبل التعايش العلوم ومناهجها؟.
أ.د. مراد قواسمي
منشور: 2026-08-10