تفكير ُالحياةِ الحتميِّ بمقولِ البراكسيس اليوميِّ
يتميّز المفكّرون في "الحياة" بصفات الشجاعة والإقدام والجرأة والتمتّع بالحس النّقدي و"التراجيدي": مواجهة الأخطاء والصعوبات والذنوب وعدم التواري نحو الخلف. ذلك هو حال كييركيغارد مثلا وماركس ونيتشه.
أصبح تفكيرُ الحياة اليومية نوعاً من الحتمية مع ضرورة تغيير المنهج والكيفية، وتلك خطوة جريئة بعقلية بريئة لمواجهة السماويات البذيئة. وقد عَرَفَ مُبْتَدَؤُ هذا الفِكْرِ أَلِفَ لاَمِهِ مع كييركيغارد [خوف ورعدة Crainte et tremblement] في رومانسية لم يتعوّد عليها أهل العقل في قوة تمسكهم بالنقل، ليكون أبلغ عبارة في بيان الذات المنقلبة واقعا فرديا لا بحثا عن كليات تجريديةٍ وتَسمياتٍ. ذاتُ بسيطة بانفعالاتها وخوفها ومواجهاتها إلى درجة قدرتها على مجابهة تلك الكلمات الرنَّانة، البالغة في الثقل التي يحبّذها النّظريون أمثال هيغل وشوبنهاور.
إن الرأسمالية الاقتصادية والبرجوازية الأرستقراطية هي امتداد للفكر الشّبحي، النظري في رغبتها امتلاك ناصية الحقيقة بتوجيهها لسياط الاستغلال على العامل والمواطن البسيط، محاولة فرض قيمها الانتهازية. العامل رجل بسيط يسعى لتأمين قوتِ عِيَّالِهِ، وهو في ذلك يتحدّى المنظومة الرأسمالية-البرجوازية مُدرِكًا أن ثورته ضدّها ليست مجرّد ثورة آنية وآلية على نظام اقتصادي، بل على نظام فكريٍّ ونسق تُحَنِّطُهُ مقولات النَّظَرِ والعقل لأنها لا تفهم معنى التحرّر باليومي وفيه ومن خلالهِ لأجل التخلّص من أغلالهِ. ولأنَّ واقع اليومِ الأبديِّ هو الحياة الحاضرة زمنيًّا وفعليًّا فقد قرّر
ماركس الخروج عن طائلة التفكير في التنظير والتخلّص من تراثٍ في السُّوءِ مَا لَهُ من نَظِير والتحرّر من الاستلابية بالتّطهير: تطهير الذات من الاستسلام للغربة في العمل، ولأن العمل هو جوهر الإنسان وأساس كيانِهِ الحياتِّي فهو سرّ الخلاصِ وكلمة العبور.
وكأنّ نيتشه يجمع بين الرؤية النفسية في صورة محلل نفسي [حتى قبل سيغموند فرويد] باستعارة الرؤية الجمالية للحياة ولكن من دون اقتناع بأهمية اقتناء صكوك الغفران المتوفِّرَة في دكاكين المسيحِ والعِبْرَانِ ليواصل المسيرة النفسية في وظيفتها الجمالية والحسّية لأجل تسليطها على الحياة اليومية عبر إقرانها بالجسد الرَّاغبِ في البحث عن الأبدِ بدون وعود كاذبة بلا أساسٍ ولا عَمَدِ.
إنَّ وَجهَ القِرَانِ بين هولاء [كييركيغارد، ماركس ونيتشه] أنهم لا ينشدون شيئا سوى أنهم مقتنعون بأنّ البراكسيس مَعْبَرٌ نحو الخلود، فالخلود مكفول بالفعل والعمل لا ببناء عِشَاشِ الخمول والذهول، وهو ما جعل نيتشه يعيد النظر في رؤية كييركيغارد في المرحلة الأخيرة من تأمّلاته وينشدُ المرحلة الجمالية: الحسية والعملية، لأنها مرتبطة بحياة النشاط والممارسة.
ما يمكن أن يجمع هؤلاء الثلاثة هو حتمية العودة إلى الحياة اليومية، سواء في بعدها النفسي والانفعالي، أو في الفعل والعمل والاغتراب/الاستلاب ومعاملات الرّبحِ والأُجرة وفائض القيمة أو في الرغبة والمتعة والذّوق والانفتاح على الجسد والمقامرة في الإسراع نحو المغامرة تضحية بالماورائيات في سبيل دحض ثقافة الاستسلام.
الاستئناس باليومي سلوك فكري وثقافي يناهض العقل العنكبوتي حاملا لقيم التعدد والاختلاف في مواجهة التَّحنيط والصّنميّة الأبدية. إنّه المشترَكُ العجيب بين أطراف ثلاثيةِ المجاوَزَةِ الميتافيزيقية لمصلحة الحتمية الحياتية بمقولة البراكسيس اليومية، وتفكّرٌ بالمراس الأنطولوجي في تسكّعاته اللحظية: النّفسية والاقتصادية والقيمية، وهذا هو الزخم الذي يتضمّنه عدد "سلسلة الأنوار" في إصداره هذا.
منشور: 2023-05-20